ورقة الندوة:
عُرف المغاربة تاريخيا بعنايتهم الفائقة بعلم النحو، وكان العالم عندهم لا يُعد مبرزا إذا لم يثبت تمكنه من هذا الفرع من علوم اللغة. وفي العصر الحديث، أضحت المعرفة النحوية بالتعليم العالي، سواء من جهة التدريس والتكوين، أو من جهة البحث العلمي الأكاديمي، تستدعي مطارحات إشكالية متشابكة المعارف، ونقاشات بيداغوجية ميدانية متعددة المستويات والاشكالات.
ويبدو أن تسليط الأضواء على وضعية النحو العربي وتدريسه بالجامعة المغربية اليوم يتطلب مقاربة نمطين بارزين من التعليم النظامي:
أولهما: التعليم العتيق: ويتسم مقرر النحو فيه بالأصالة والتحصيل التفصيلي للأحكام والقواعد النحوية، مع الحرص على حفظ بعض المتون غالبا، ويعتمد في ذلك شروحا وكتبا تراثية، يوزع محتواها على أسلاك هذا النظام التعليمي ومستوياته، ويغطي معظم أبواب النحو. وكلما تقدّم المتعلم في سنّ الدراسة تأهّل إلى مستوى كتب ومصادر أشمل معرفة وأكثر استيعابا. وبذلك يمتلك الطالب، بعد التخرج، تكوينا متينا في مسائل النحو وأحكامه، ويدرك الاستدلالات والعلاقات القائمة بين أوجه التراكيب. ومن نماذجه البارزة على المستوى الجامعي مؤسساتُ التعليم العالي الديني.
ثانيهما: التعليم العمومي والأصيل: تلزم الإشارة هنا إلى محدودية الأوعية الزمنية المخصصة لتدريس المعارف النحوية، المتميزة بتشعب بنائها المعرفي النظري وكثرة شواهدها وأمثلتها التطبيقية .
ولمواجهة معضلة هذا التحدي الزمني المعرفي ؛ يلجأ برنامج تدريس النحو في المستوى الجامعي إلى عملية انتقاء واقتصاد. يتم بموجبها الاقتصار في تدريس هذا الفرع من علوم اللغة على جملة منتقاة من الأبواب والمسائل النحوية دون إنجاز المضامين والأهداف النحوية التي تطمح إليها المقررات الموضوعة لتدريس النحو. هذا ويسجل المشتغل بالحقل التربوي المعاصر ضعفًا ملحوظا في التكوين النحوي للمتعلمين في منظومتنا التعليمية؛ بل نجد طلبة بالجامعة يعانون من صعوبات واضحة في إنتاج خطاب مكتوب أو شفهي سليم من الأخطاء النحوية والاختلالات التركيبية.
ولتسويغ اختلال هذا الوضع، أو تفسيره وتعليله، يرتفع صوت الشكوى من صعوبة هذا المجال المعرفي وتشعب مسائله وأحكامه. وتسهم في بث هذه الشكوى وتبريراتها ظروف بيداغوجية محيطة بالعملية التعليمية التعلمية: منها قلة تداول العربية الفصحى بسبب انتشار اللهجات العامية واللغات الأجنبية. ولتجاوز هذا الاستعصاء، اتجه اللغويون والمهتمون من المدرسين والمسؤولين إلى وضع كتب ومقررات ومختصرات تعليمية، اجتهدت في استثمار الخبرات المكتسبة والملاحظات المنبثقة من واقع تعليم النحو، وبسط أمثلته وتسهيل لغته. وكما كان متوقعا، فقد اختلفت الرؤى ووجهات النظر بين الباحثين، فكان منهم من توسع في النظر وطالب بإقصاء عدد من الأبواب والمسائل النحوية بدعوى أنها مجرد زوائد وتعقيدات، لا محل لها من الإعراب. كما كان منهم من أبدع في طرق تدريس النحو وبناء منهجه، داعيا إلى ضرورة التفاعل بين التكوين والمستجدات العلمية. وسعت موضوعات في رسائل الماستر وأطاريح الدكتوراه إلى الإسهام في تطوير الدرس النحوي مستفيدة من الخبرات العلمية والتقنية المكتشفة في حقل اللسانيات التطبيقية وتعليمية اللغات.
وتهدف ندوة” النحو بالجامعة المغربية: إشكالات معرفية ومقاربات بيداغوجية” إلى تشخيص وضعية النحو العربي بالمؤسسات الجامعية في المغرب. كاشفة إكراهات تدريسه وتأثيرها في التكوين البيداغوجي والعلمي. عارضة إسهامات الأكاديميين المغاربة في تطوير الدراسات النحوية تأليفا وشرحا ونقدا وتحقيقا. مرحبة باقتراحات الباحثين من أجل الارتقاء بهذا العلم وتحسين جودته بالجامعة المغربية.
حامل المشروع ومنسقه: ربيعة العمراني الإدريسي.

