ورقة الندوة:
تقوم النظرية النحوية على أسس منهجية رئيسة كشف عنها كتاب سيبويه الذي شكل ميدانا لتطبيق خطوات المنهج العلمي بدءا من الاستقراء والوصف ووصولا إلى القياس والتعليل فالتقعيد؛ كما تستند إلى ضوابط معرفية أهمها نظرية العامل والتمييز بين الأصل والعدول عنه، ثم مراعاة السياق أثناء التحليل النحوي . وتمتد جذور علاقة النص بهذه النظرية إلى مرحلة نشآة علم النحو في حضن النص القرآني صونا له من اللحن وتحصينا لمعناه، ثم كانت مرحلة الاستقراء؛ إذ اعتمد سيبويه نصوصا للاستشهاد والاستدلال شملت القرآن الكريم وكلام العرب والحديث النبوي الشريف ، قام بتحليلها وتفسيرها للوصول إلى القاعدة, كاشفا الطاقات الإبداعية للنحو العربي في إنتاج هذه النصوص من جهة، وفي فهمها وتحليلها من جهة ثانية.
وإذا كان الكلام إنما وضع للفائدة؛ فإن هذه الفائدة إنما تنشأ بواسطة التفاعل بين الوظائف النحوية المترابطة فيما بينها (حسب ما يقتضيه علم النحو من صيغ صرفية وأخرى نحوية وحروف معان) والمفردات بما تحمله من دلالات معجمية أولية مع مراعاة السياق، فلا نظم ولا تأليف بدون نحو؛ لأنك ” إن عمَدت إلى ألفاظ فجعلتَ تُتبع بعضَها بعضًا من غير أن تتوخَّى فيها معانيَ النحو، لم تكن صنعتَ شيئًا تُدعَى به مؤلِّفًا”. فالنحو وثيق الصلة بالمعنى، ونظام مرن يبيح للمبدع إمكانات كبيرة من البنى التركيبية ينتقي منها ما يناسب سياقه كالتقديم والتأخير والحذف والذكر والتعريف والتنكير، وله دور في بناء التصوير البياني في النص على أسس سليمة؛ كما أن المجاز وهو” رؤية جديدة للتآلف النحوي بين المفردات المتنافرة ” لا يقف عند استبدال كلمة معجمية بأخرى، بل يتجاوز ذلك إلى العلائق التركيبية النحوية بين المفردات؛ وبذلك نفهم ما ذهب إليه أبو يعقوب السكاكي ( ت 626 هـ )في عده علمي المعاني والبيان امتدادا طبيعيا لعلم النحو، وجعل البيان شعبة من المعاني.
والنحو العربي لم يقف عند دراسة الجملة المفردة، بل نظر إليها في علاقتها بالسياق النصي وفيما يجاورها من جمل، كاشفا ما بينها من وصل أو فصل كما في مبحث الجمل التي لها محل والتي لا محل لها من الإعراب التي خصها ابن هشام (ت761هـ) بجزء من مؤلفه الماتع:”مغني اللبيب عن كتب الأعاريب”، وفيه ذهب إلى ” أن القرآن كله كالسورة الواحدة ولهذا يذكر الشيء في سورة وجوابه في سورة أخرى”.
وأهمية النحو إنما تدرك جليا حين ندرس التراث العربي بمنطق الوصل لا الفصل، لأنه منظومة متكاملة تتعالق فيها العلوم وتترابط فيما بينها، فللنحو مركزيته ضمن علوم اللغة والشريعة معا؛ وهو في مفهومه الشامل يضم علمي الصرف والأصوات، وفي رحمه نشأت البلاغة وتطورت ؛ إنه ” انتحاء سمت كلام العرب في تصرفه من إعراب وغيره: …ليلحق من ليس من أهل اللغة العربية بأهلها في الفصاحة فينطق بها، وإنْ لم يكن منهم، وإنْ شذ بعضهم عنها رد به إليها”، وهو حاضر في تحليل النص الشرعي قرآنا كان أو حديثا نبويا شريفا، وقد كانت كتب إعراب القرآن صلة وصل بين النحو والتفسير؛ لذا عُد شرطا أساسا في ثقافة المفسرين الذين أكدوا أهميته في الكشف عن معاني القرآن الكريم العميقة، وما تحتويه من لطائف ومظاهر إعجاز على مستوى النظم والتناسب والتماسك والاتساق. ولربما تضمنت مؤلفات التفسير والإعجاز من الدقائق النحوية ما لا وجود له في كتب النحو. وهو أيضا أداة رئيسة في توجيه القراءات القرآنية والأحاديث النبوية، وفي استنباط الأحكام والاستدلال عليها في الفكر الأصولي والكلامي؛ بل إن أصول النحو في علاقته بالنحو نظير أصول الفقه في علاقته بالفقه. والتحليل النحوي مدخل رئيس في شروح الدواوين والمختارات الشعرية ؛ ” لأنَّ العلاقات النَّحوية في النص على مستواه الأفقي هي التي تخلُق أبنيته التصويرية والرَّمزية، وعلى مستواه الرَّأسي هي التي تُوجِد توازيَه وأنماط التَّكرار فيه، وتُحكم تماسكَه واتِّساقه، وهذا كله يؤسِّس بنيةَ النص الدَّلالية”.
وإذا كانت البدايات الأولى لتأسيس النظام النحوي قد عرفت تجاذبات بين النحويين والمبدعين الشعراء؛ فإن علاقة الانسجام والتصالح ما لبثت أن عادت إلى وضعها الطبيعي؛ إذ كان التأويل النحوي وكانت الضرورة الشعرية التي تكلم عليها النحاة قبل النقاد. وقد استمر هذا النحو صامدا أربعة عشر قرنا، لأنه يمتلك عناصر الحياة وأهمها ارتباطه بالنص يحيى بحياته ويتنفس هواءه بالإضافة إلى تعالقه مع علوم اللغة والشريعة معا؛ لكن حين عزل النحو عن رحمه الطبيعي وهو النص، وعن توأمه الروحي وهو البلاغة، ونظر إلى التراث العربي نظرة فصل لا وصل، وإلى علومه بصورة معزولة هذا صرف وذاك نحو وتلك بلاغة، حكم على النحو العربي بالجفاف، وارتبط في الأذهان بتقويم الخطأ والصواب؛ رغم أن سيبويه صاحب أول مدونة في النحو تحدث عن حسن الكلام وقبحه إلى جانب استقامته واستحالته. وتهدف هذه الندوة إلى إحياء وظيفة النحو العربي في إنتاج النصوص وفهمها، وفي الكشف عن أسرار التراكيب ومزايا التعبير ودقائقه.
حامل المشروع ومنسقه: ربيعة العمراني الإدريسي

